محمد جمال الدين القاسمي

61

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بأنه كان طامعا في النجاة بيقين ، لعموم المشاركة . هذا . وإن مذهب هذا العارف الخاص به هو البناء على اتساع الرحمة الإلهية ، والأخذ بالظواهر من الآيات ، ومع ذلك فلما ذكر البحث في شأن إيمان فرعون ونجاته ، مع من قال بخلافهما ، قال : إن الوقف في شأن إيمان فرعون هو الأسلم ، لما شاع عند الخلق عامة من شقائه ، وهذا منه صريح في أنه كان باحثا في إيمانه ونجاته من ظاهر اللفظ القرآني بحثا لا جازما بهما - انتهى ملخصا - . ثم أنبأ تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل إثر نعمة إنجائهم من عدوّهم وإهلاكه ، وإخلالهم بشكرها وأداء حقوقها بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 93 ] وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 93 ) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أضيف المكان إلى الصدق ، لأن عادة العرب إذا مدحت شيئا ، أن تضيفه إلى الصدق تقول : رجل صدق . وقدم صدق . وقال تعالى : مُدْخَلَ صِدْقٍ [ الإسراء : 80 ] ، و مُخْرَجَ صِدْقٍ [ الإسراء : 80 ] ، إذا كان عاملا في صفة صالحا للغرض المطلوب منه ، كأنهم لاحظوا أن كل ما يظن به فهو صادق . وقوله تعالى : وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وهي المنّ والسلوى في التيه وبعده ، مما فاض عليهم من الأرض التي تدرّ لبنا وعسلا فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ أي ما تفرقوا على مذاهب شتى في أمر دينهم ، إلا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكل شبهة ، وهو ما بين أيديهم من الوحي ، الذي يتلونه . أي : وما كان حقهم أن يختلفوا ، وقد بيّن اللّه لهم ، وأزاح عنهم اللبس . ونظير هذه الآية ، في النعي عليهم اختلافهم ، قوله تعالى : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] ، وقوله جلّ ذكره : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [ آل عمران : 19 ] ، وفيه أكبر زاجر وأعظم واعظ عن الاختلاف في الدين ، والتفرق فيه . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي فيميز المحق من المبطل بالإنجاء والإهلاك .